حظوظ غز ة من دروس الهجرة النبوية

كتبهاايجا ، في 4 يناير 2009 الساعة: 18:18 م

حظوظ غز ة من دروس الهجرة النبوية
محمد الإدريسي
تعيش الأمة هذه الأيام أشد درجات الحرج والتوتر والغيرة والكبت السياسي والجهادي…بسبب ما تعيشه غزة - موطن العزة والكرامة- وتزامن ذلك مع بداية السنة الهجرية الجديدة ، التي عادة ما نقرأ فيها السيرة على ضوء واقعنا المعيش والبائس طبعا…محاولين بذلك تلمس بعض المبادئ والأسس الشرعية والتاريخية الإسلامية ، لعلنا نجد من خلال هذه القراءة أجوبة لما تعيشه الأمة ، وما ينبغي أن نفعله اتجاه ما يواجهنا ويواجه أمتنا من تحديات…

و حدث الهجرة هو حدث السيرة لهذه الأيام - أيام السنة الجديدة ،أدخلها الله على الأمة بالنصر والتمكين- وهو أخطر وأهم حدث في تاريخ الإسلام كله لما كان له من نتائج حاسمة لصالح الدعوة الإسلامية ولصالح الإسلام ككل ، حيث أشرقت بعده مباشرة شمس الإسلام كاملة - بعد طلوع الفجر بمكة- نعم إنه التاريخ الفاصل بين الضعف المادي للإسلام والقوة له ، بين الإسلام كتدين فردي والإسلام كدين جماعي، بين إسلام الصبر والتحمل من أجل الجنة ، وإسلام الرد بالجهاد المادي والمعنوي من أجل نصرة الحرية و التدين والكلمة والدولة والأمة كذلك…

بداية القصة :

عاش المسلمون منذ مجيء الإسلام ظروفا عصيبة جدا كانت تنتهي بالقتل في الكثير من الحالات…ولما لم يجدوا بين كفار قريش - وأغلبهم من عشيرتهم وذويهم- مكانا آمنا على أرواحهم بسبب عقيدتهم أمرهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة النبوية حيث يوجد إخوان لهم سيؤوونهم ويضيّفونهم…وكذلك كان …لقد وجدوا من إخوانهم الأنصار ما تعجز الأقلام البشرية عن وصفه… حظ غزة اليوم من هذا الدرس :
ألا يعتبر أهل غزة إخواننا لنا في الإسلام أو على الأقل في الإنسانية ؟ لماذا يحاصَرون من إخوانهم العرب ؟ أتحب مصر والأردن وكلنا كدول عربية وإسلامية أن نكون في موقع كفار قريش نحاصر إخواننا بأسلحتنا لأهداف أعدائنا جميعا ؟
بل ما يزيد الطين بلة تلك التصريحات التي تهدد بإجهاض قيام إمارة إسلامية في غزة – زعموا-، إنه - والله - يذكرنا بأبي جهل و أبي لهب وغيرهم من أعداء الدعوة الإسلامية … والذين هددوا - بضغط من اليهود آنذاك ،وكأن التاريخ يعيد نفسه - بوأد الإمارة الإسلامية بالمدينة لأنها تهدد وجودهم بزعمهم…

أجيبوا أيها الزعماء :أتحبون أن تكونوا في موقع كفار قريش يحرككم اليهود كما حركوهم من قبل ؟ لكنّي أنذركم بسوء العاقبة عليكم وحسنها على أهل غزة الأحرار…لأن لله سننا لاتحابي أحدا من سار على عكسها أهلكته…ألم تقرؤا تاريخ الإسلام ؟ ولمن كانت العاقبة الحسنة ؟ إن تلاميذ الإبتدائي يدرسون ذلك ويعلمونه جيدا, فما عليكم إلا أن تقرؤوا التاريخ لتعتبروا…{ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}سورة الحشر {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}سورة الحـج.

تواطأ قبائل الكفر على اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم:

هناك في دار الندوة كان التخطيط لاغتيال نبي الإنسانية محمد صلى الله عليه وسلم،كانت الآراء مختلفة لموضوع واحد و موحّد على نهايته،واستقر الرأي على أن يتوزع دمه الشريف على القبائل بيد منتدبين منها جميعا…لكن للنبي صلى الله عليه وسلم رب يحميه،فقد خرج رافع الرأس وحاثا التراب على رؤوس أعدائه وهم عنه غافلون.إلى أن وصل صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور ،فلحق به المشركون وقد أعمى الله بصرهم بعد أن أعمى بصيرتهم من زمان، وإذ بالصديق يرتبك فيبادره صلى الله عليه وسلم ما ظنك باثنين الله ثالثهما،فيسجل الحق سبحانه جوانب من تلك الرحلة :{إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}سورة التوبة،والبقية تعرفونها…

حظ غزة اليوم من هذا الدرس :

- لاشك أن ما يقع لغزة اليوم هو مكيدة إقليمية وصهيونية مشتركة هدفها وأد التجربة الإسلامية في غزة الكرامة ،لكن ألا يعلم أعداء التجربة أن للدعوة الإسلامية رب يحميها؟؟…
- نقول لغزة العزة أثبتي والله معك ،لأنك تنصرين الدين والله يقول – وهو أصدق القائلين – إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكمويقول:{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}سورة محمد، والله معكم لأنكم صابرون والله يقول – وهو أصدق القائلين – (وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}مكررة في سورتين البقرة والأنفال.

- نقول لحكامنا :هل تريدون أن تكونوا في موقف الخذلان الذي سجله الله عز وجل على أتباع موسى من جبناء اليهود حين قالوا له :{فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}سورة الشعراء.فأجاب موسى – وهذا لسان أهل غزة اليوم- :{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}سورة الشعراء.
من أولويات النبوة بالمدينة :

1- بناء المسجد :

لا شك أن شريعة الإسلام تعتبر الأرض كلها مسجدا وطهورا، فالمسجد لم يبنه الرسول صلى الله عليه وسلم ليحتكر العبادة ، ولكن المسجد رمز لتوحيد الله في الأرض ورمز لوحدة المسلمين ، يدخلون كل وقت وحدانا وجماعات ليعلنوا وحدتهم أمام ربهم صفا واحدا وبإمام واحد…

والمسجد - كما هو رمز للتوحيد- رمز كذلك للعلم… لنعلم أن أولى الأولويات الإستراتيجية في العمل الإسلامي الراشد هو العلم بكل أنواعه ومستوياته …لكن الأمة العربية للأسف همّشت هذين الأمرين لحساب هز البطون والأقدام، أعني لحساب الكرة والفن المعفّن ، فكان عندنا نحن في المغرب ولايزال أستوديو دوزيم والقدم الذهبي،بل قد أصبح جزء من الفن والكرة عاملا مهما لتخذير الشعوب وإغفالها عن قضاياها المصيرية…ونحن لسنا ضد الفن أو الكرة ولكن نقول أين أولوياتنا حقيقة وواقعا ؟ نعم للكرة الناجحة وللفن الهادف ولكن قبله وبعده ومعه لابد من اعتبار العلم أولى الأولويات الإستراتيجية قولا وعملا ،ومن أهم مؤشرات الصدق في ذلك أن نرى التلميذ والطالب أكبر قيمة من اللاعب والفنان -التافه تحديدا وما أكثرهم- ، ونرى الأستاذ أعظم قدرا من المدرب ، كما هم عند الله تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}سورة المجادلة ، وقوله صلى الله عليه وسلم :خيركم من تعلم القرآن وعلمهالبخاري.وقوله أيضا طلب العلم فريضة على كل مسلم و إن طالب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر صحيح الجامع الصغير. ‌فهم خيرة المجتمع وصفوته…وأي قلب لهذه الحقيقة فضريبة ذلك مكلّفة على الدولة والمجتمع والأمة على السواء…

حظ غزة من هذا الدرس :

- أن تتحمل الأمة كلها مسؤوليتها في إعمار المساجد،لأن الأمة متى عظمت قدر الله رفع الله من شأنها وأعلى قدرها وذكرها في العالمين…وقد قال أحد الصهاينة يوما - ولعله بنكوريون- لن ينتصر المسلمون علينا حتى يصبح رواد المسجد في صلاة الفجر كرواد صلاة الجمعة أو أكثر، وصدق وهو كذوب.

كل ذلك لتجأر الأمة إلى ربها مما حل بها في مدينة غزة مصدر الكرامة والعزة،و في كل موقع تنزف منه الأمة كالعراق وأفغانستان …
- أن نُرجع للمساجد دورها الريادي في تأطير روادها في القضايا المصيرية للأمة ، والمساجد في أغلب دولنا محظور عليها أن تتكلم في قضايا الأمة إلا إذا كانت مناسبة وطنية محلية.
- أن تعطى الأولوية للعلم لأن به تفوق علينا عدونا ، وقد قال أحد الصهاينة يوما إن العرب لايقرؤن وإذا قرؤا لايفهمون وإذا فهموا لايعملون…أفلا نعتبر؟!!…

2- الإيخاء بين المهاجرين والأنصار:

من الأعمال الإستراتيجية التي بادر إلى القيام بها الرسول صلى الله عليه وسلم:المآخاة بين المهاجرين - المهجّرين من وطنهم وأموالهم - والأنصار الذين ناصروا إخوانهم فآووهم وكفلوهم،يقول الحق سبحانه مصورا ذلك تصويرا بديعا :{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}سورة الحشر.

حظ غزة من هذا الدرس :

- ألا يمكن لمصر ولشعب مصر – مصر أم الدنيا!!- أن يكونوا في هذه المرحلة أنصارا لإخوانهم المحاصرين في غزة ،يكفلونهم ويضمدوا جراحهم ويقاسمونهم الكوب والرغيف ؟؟
- ألا تعتبر رابطة العقيدة ورابطة العروبة ورابطة الإنسانية أولى وأعلى وأرقى وأنقى من رابطة المصالح الضيقة المهزوزة البخسة النجسة ؟؟…

- لابد من نصرة إخواننا وذلك بالأمور التالية :
1- بتوبة الأمة إلى الله ،أفرادا وجماعات ومجتمعات …من الكسل والخمول و السلبية على جميع المستويات… وأن تناصر- الأمة- بالجدية والإيجابية و العطاء و اليقظة النفسية والفكرية والسياسية…

2- ثم بالدعاء والقنوت والابتهال إلى الله حتى يرفع عن إخواننا هذا الابتلاء…وأن يرفع عنا نحن بلاء الذل والانكسار والكسل والخمول والعجز المادي والمعنوي…

3- المناصرة بالمقاطعة الاقتصادية ،وذلك بمقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية كبعض المشروبات الغازية مثل كوكا كولا وغيرها…
4- المناصرة بالمقاطعة السياسية :وذلك بقطع العلاقات المشبوهة وكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني…

وأخيرا لنتذكر جميعا أن الصهاينة هم الصهاينة دائما وأبدا !!…فهم قتلة الآلاف من الأنبياء والمرسلين ،وهم أعداء الله وأعداء أنبيائه –والأنبياء هم رمز الحرية والنصرة والتضحية للبشرية على مرّ التاريخ – وإلا لماذا كرر القرآن الكريم الكلام عن الصهاينة وأعمالهم القبيحة عشرات المرات ،حتى قال عن ذلك بعض المفسرين :كاد القرآن أن يكون لموسى وقومه،إن القرآن لا يكرر الكلام عبثا ،وإنما فعل ذلك لتعلم البشرية أن فئة تعيش معهم على هذه الأرض تميّزوا بالمكر والخداع وسفك دماء الأبرياء ولو كان الضحايا مرسلين من رب العالمين…ألا فليعتبر العقلاء{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}سورة ق.صدق الله العظيم .


www.alislah.org

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البستان الاسلامي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول